محمد أبو زهرة
3739
زهرة التفاسير
هنا لاستغراق النفي ، أي ما لكم أىّ إله غيره ، أي لا يوصف بالألوهية غيره ؛ لأنه الخالق وحده ولأنه واحد في ذاته وفي صفاته ليس كمثله شئ . وإذا كان قوم لوط قد اشتهروا بالفاحشة التي لم يسبقهم بها أحد من العالمين ، فقد اشتهر آل مدين بالفساد في البيان والمعاملات والتطفيف في المكيال والميزان ، ولذا نهاهم عن التطفيف بعد الأمر بعبادة اللّه وحده فقال تعالى : وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ . وعلل الرسول الكريم نهيه عن ذلك بقوله : إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ ، أي أراكم في سعة من العيش وعندكم الرزق الوفير ، فلستم في فقر يسوّل لكم أخذ حق غيركم ، بل أنتم في سعة من الحلال فلا تمدوا أيديكم إلى الحرام ، لكن الطمع يغريكم بأخذ حقوق غيركم ، وإنه لا يردع من كانوا في هذه الحال إلا عذاب يوم القيامة الذي يحيط بكم إحاطة الدائرة تنتقلون فيها من عذاب إلى أشد منه هو لا . وبعد أن نهى عن تطفيف الكيل أمر بالوفاء تأكيدا إليه من حسن التعامل . وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ( 85 ) . ناداهم عليه السلام نداء المودة والرغبة في نفعهم فقال : وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ أي أعطوهما لأصحابهما وافيين غير منقوصين ، وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ أي لا تنقصوهم حقوقهم فإن نقص الحقوق ظلم في ذاته ، وهنا انتقال من الخاص إلى العام ، فالنهي عن نقص المكيال والميزان نهى عن نقص في الكيل والوزن ، أما النهى عن بخس الناس أشياءهم نهى عن كل معاملة فيها أكل مال الغير بالباطل ، كالربا والغش والتدليس والخيانة والرشوة والسرقة والاغتصاب وغير ذلك من نقص لأموال الناس وأكل لها بالباطل . وإن التعامل الآثم واستحلال أخذ الأموال بالباطل ، وسيادة الفسوق في المعاملات يؤدى إلى التناحر وتقطيع أواصر المجتمع ، ولذا قال معقبا : وَلا تَعْثَوْا